إدماج الجامعيين المستفيدين من منحة البطالة في قطاع التربية الوطنية..واقع وآفاق

منذ استحداث جهاز منحة البطالة سنة 2022، والذي تشرف عليه الوكالة الوطنية للتشغيل، تعمل الدولة على توفير آلية دعم اجتماعي لفائدة الشباب الباحث عن العمل، لا سيما فئة حاملي الشهادات الجامعية.
ورغم ما قدمه هذا الجهاز من دعم ظرفي، إلا أن التحدي الحقيقي يتمثل في إيجاد حلول دائمة ومستدامة للإدماج المهني لهذه الفئة الحيوية، بما يعزز الاقتصاد الوطني ويعالج بعض الاختلالات الموجودة على مستوى عدد من القطاعات، وعلى رأسها قطاع التربية الوطنية.
واقع قطاع التربية: حاجة ميدانية إلى موارد بشرية مؤهلة
تشير المعطيات الميدانية إلى أن قطاع التربية يشهد، خلال السنوات الأخيرة، نقصًا متزايدًا في عدد المؤطرين التربويين، نتيجة عدة أسباب، أهمها :
-
التقاعد السنوي لعدد كبير من الأساتذة والإداريين، واذا كان تعويض الاساتذة يتم عن طريق الاستخلاف والتعاقد فإن سد الاحتياجات الادارية أصعب نوعا ما.
-
تزايد عدد التلاميذ سنويا في مختلف الأطوار التعليمية.
-
صعوبات في تغطية بعض المواد العلمية واللغوية، خاصة في المناطق الداخلية والجنوبية.
هذا الوضع يتطلب استراتيجية شاملة لتدعيم الموارد البشرية، قادرة على ضمان استقرار المنظومة التربوية وتحقيق أهداف الجودة.
منحة البطالة: كفاءات متوفرة وإمكانات غير مستغلة
من جهة أخرى، تُبيّن إحصائيات الوكالة الوطنية للتشغيل أن جزءًا كبيرًا من المستفيدين من منحة البطالة هم من حاملي الشهادات الجامعية في مختلف التخصصات إذ تبلغ نسبتهم بحوالي 21 بالمئة من إجمالي المستفيدين من البرنامج، غير أن إدماجهم في سوق العمل لا يزال يواجه صعوبات ميدانية بسبب محدودية مناصب الشغل في القطاع الاقتصادي العام والخاص، رغم توفر الإمكانيات البشرية، كما أن استمرار الاستفادة من المنحة دون أفق توظيف واضح يؤثر سلبًا على طموحات هؤلاء الشباب وعلى الاقتصاد الوطني.
هذا الواقع يُعيد طرح فكرة إعادة توجيه هذه الطاقات نحو القطاعات الإدارية التي تعاني من عجز فعلي، وعلى رأسها قطاع التربية.
الإدماج كخيار استراتيجي
يمثل إدماج حاملي الشهادات الجامعية في مناصب دائمة بقطاع التربية خيارًا استراتيجيًا، يمكن أن يسهم في:
- ضخ دماء جديدة في المدرسة الجزائرية بما يمكن أن ينعش أساليب التعليم ويفتح الباب للإبداع.
-
تخفيف الضغط على سوق العمل.
-
سد العجز في التأطير التربوي.
-
تحقيق التوازن بين الكفاءات المتوفرة والحاجيات الوطنية.
- استثمار الدولة في مواردها البشرية بدل صرف أموال في شكل إعانات فقط.
لكن هذا التوجه يتطلب إجراءات تنظيمية، من بينها:
- تحيين قاعدة بيانات الوكالة الوطنية للتشغيل وربطها بحاجيات وزارة التربية.
-
تحديد التخصصات المطلوبة بدقة وفقًا لاحتياجات كل ولاية.
-
إعادة تأهيل المتخرجين عبر برامج تكوين بيداغوجي قصير المدى.
-
تنظيم مسابقات توظيف شفافة مع إعطاء الأولوية للمستفيدين من منحة البطالة.
-
تحفيز العمل في المناطق ذات العجز من خلال آليات الدعم والسكن والامتيازات المالية.
نحو إدماج فعلي ومستدام
لا شك أن الربط بين جهاز منحة البطالة واحتياجات قطاع التربية يمثل خطوة عملية وذات بعد استراتيجي. فبدل الاكتفاء بالدعم المؤقت، يمكن تحويل هذه المنحة إلى بوابة نحو إدماج فعلي ومستدام، عبر التنسيق بين الجهات الوصية على التشغيل، التعليم، والتكوين.
هذا التصور يتطلب إرادة سياسية واضحة، وتخطيطا تشاركيا بين القطاعات المعنية، بما يضمن توظيفًا عقلانيًا للموارد البشرية، وفتح آفاق مهنية جديدة لفئة واسعة من الشباب الجامعي.
لقد صار من الضروري اليوم التفكير في آليات إدماج حقيقية وشاملة لحاملي الشهادات الجامعية في القطاع العمومي، خصوصًا في القطاعات ذات الأولوية كالتربية، والصحة، إذ أن توجيه هذه الكفاءات نحو الخدمة العمومية لا يُعدّ فقط استثمارًا في العنصر البشري، بل هو خيار استراتيجي لبناء مدرسة وطنية أكثر كفاءة وشمولية، ولضمان مستقبل مهني كريم للمتخرجين الجامعيين.




