الوكالة الوطنية للتشغيل بالجزائر: من النشأة إلى الرقمنة… ركيزة أساسية في تنظيم سوق العمل

في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها الجزائر، تبرز الوكالة الوطنية للتشغيل (ANEM) كأحد أهم الأدوات العمومية لتنظيم سوق العمل ومرافقة فئاته المختلفة.
فمنذ نشأتها في مطلع تسعينيات القرن الماضي، لعبت الوكالة دورًا محوريًا في الوساطة بين العرض والطلب على مناصب الشغل، ومع التطور التكنولوجي والرقمي، انتقلت إلى مرحلة جديدة من الأداء، أكثر سرعة وفعالية وشفافية.
نشأة الوكالة وتعريفها القانوني
الوكالة الوطنية للتشغيل هي مؤسسة عمومية ذات تسيير خاص تسيّر بموجب أحكام المرسوم التنفيذي رقم 06-77 المؤرخ في 18 فيفري 2006، تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، وتخضع لوصاية وزارة العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي.
وتهدف الوكالة إلى ضمان تنظيم سوق الشغل على المستوى الوطني، عبر تقديم خدمات الوساطة، وتحليل سوق العمل، وتسهيل إدماج مختلف فئات الباحثين عن الشغل، إلى جانب دعم المؤسسات الاقتصادية بتوفير اليد العاملة المؤهلة.
أدوار متعددة لخدمة طالبي العمل والمؤسسات
تلعب الوكالة الوطنية للتشغيل دورًا مزدوجًا: فهي من جهة تُرافق طالبي العمل في مساراتهم المهنية، ومن جهة أخرى تُلبّي حاجيات المؤسسات من الموارد البشرية، من خلال:
● مرافقة طالبي العمل
- تنظيم ورشات عمل مهنية لتعزيز قابلية التشغيل لدى الشباب.
- تقديم خدمات التوجيه والمرافقة الفردية، لا سيما لحاملي الشهادات الجامعية وخريجي مراكز التكوين.
- تسهيل الاندماج في عالم الشغل، من خلال إعداد السير الذاتية، التدريب على المقابلات، وتحسين مهارات الاتصال المهني.
● دعم المؤسسات الاقتصادية
- توفير قاعدة بيانات وطنية لطالبي الشغل، تتيح للمؤسسات اختيار المترشحين المناسبين.
- تنظيم عمليات توظيف جماعية أو موجهة لمشاريع استثمارية كبرى.
- مرافقة المؤسسات الناشئة والصغيرة في الحصول على اليد العاملة المؤهلة بتكلفة وجهد أقل.
تسيير جهاز منحة البطالة: من الدعم الاجتماعي إلى الإدماج المهني
تُشرف الوكالة على تسيير جهاز منحة البطالة الذي أُطلق سنة 2022، والذي يهدف إلى تمكين الشباب الباحثين عن العمل من الحصول على دعم مالي مؤقت، مع التزامهم بالحضور المنتظم في الورشات المهنية، والتفاعل الجاد مع عروض الشغل المقترحة.
ولا تقتصر وظيفة هذا الجهاز على الدعم الاجتماعي فقط، بل يمثل مسارًا نحو الإدماج الدائم في سوق العمل، من خلال المرافقة المكثفة والمستمرة لطالبي المنحة، عبر مستشارين مؤهلين ومتابعة إلكترونية دقيقة.
وقد عرف عن الوكالة سابقا تسييرها للبرامج العمومية لترقية التشغيل، مثل عقود الإدماج وجهاز المساعدة على الإدماج المهني DAIP.
التحول الرقمي: رهان استراتيجي للوكالة
في سياق تحسين نوعية الخدمات وتقريبها من المواطن، أطلقت الوكالة عدة منصات وتطبيقات رقمية تمثل نقلة نوعية في العمل الإداري والخدماتي، أبرزها:
● موقع “وسيط أونلاين”
هو فضاء رقمي موجهة لأصحاب المؤسسات وللباحثين عن العمل، حيث يسمح لهم بالتسجيل عن بُعد او تجديد طلب العمل، تصفح العروض والتقديم عليها، وتحديث البيانات دون الحاجة للتنقل إلى مقرات الملاحق المحلية للتشغيل.
● منصة منحة البطالة
توفر واجهة شفافة لطالبي العمل لحجز مواعيد الاستفادة، و للمستفيدين لمتابعة وضعياتهم.
● تطبيق “Mon Offre”
يعتبر تطبيق Mon Offre ، أداة ذكية تتيح لطالبي العمل الاطلاع الفوري على العروض المتاحة حسب الموقع والتخصص.
● منصة العروض الكبرى OGC
تُستخدم لتسيير عمليات التوظيف واسعة النطاق في المشاريع الكبرى، عبر التقديم الإلكتروني، الفرز، وجدولة المقابلات، وقد نالت بفضله الوكالة بجائزة عالمية في اطار مسابقة جوائز القمة العالمية لمجتمع المعلومات (wsis prizes 2024)
المدونة الجزائرية للمهن و الوظائف NAME : مشروع رقمي من توقيع الوكالة الوطنية للتشغيل
ضمن جهودها المتواصلة لتحديث أدوات التشغيل وتعزيز الشفافية في سوق العمل، أطلقت الوكالة الوطنية للتشغيل مشروعًا واعدًا تمثل في “المدونة الجزائرية للمهن والوظائف ( NAME)، حيث تهدف إلى تصنيف وتوصيف مختلف المهن في الجزائر، وتقديم معلومات دقيقة وشاملة حول المؤهلات المطلوبة، المهارات الأساسية، وآفاق كل مهنة.
تلعب هذه المدونة دورًا محوريًا في توجيه الباحثين عن العمل، كما تسهم في تعزيز التوافق بين عروض التكوين ومتطلبات سوق الشغل، وإلى جانب دورها الإعلامي، تعتبر المدونة أداة استراتيجية تساعد الفاعلين في سوق العمل على اتخاذ قرارات مبنية على معطيات واقعية ومحدثة.
إن الرقمنة في الوكالة قد سمح لها بتحسين الشفافية، تقليص آجال المعالجة، ومواكبة طموحات الشباب المتصلين بالواقع الرقمي الجديد.
كفاءة بشرية متميزة ومرافقة احترافية
ما يُميز الوكالة أيضًا هو الكفاءة المهنية العالية التي يتمتع بها مستشارو التشغيل، الذين يخضعون لتكوين مستمر، ويمكنهم التكيف مع مختلف الملفات والفئات، من طالبي العمل الجدد إلى أصحاب الشهادات العليا، وذوي الاحتياجات الخاصة.
يلعب هؤلاء المستشارون دورًا إنسانيًا ومهنيًا في آنٍ واحد، يجمع بين الإصغاء والتوجيه والتحفيز، ما يجعلهم حلقة أساسية في سلسلة التكفل والمتابعة.
تحديات مستقبلية وطموحات واعدة
رغم ما تم تحقيقه، إلا أن الوكالة الوطنية للتشغيل تواجه تحديات مستقبلية كبرى، من أبرزها:
- توسيع التغطية الجغرافية لمكاتب التشغيل وتحسين الخدمات في المناطق النائية.
- مواصلة تحديث الأنظمة الرقمية، وتأمين البيانات وتطوير الذكاء الاصطناعي في معالجة الملفات.
- تعزيز الشراكات مع القطاع الخاص ورفع فعالية الوساطة في التوظيف.
- الاستجابة للمتغيرات الاقتصادية، كظهور مهن جديدة وتحولات سوق العمل ما بعد الرقمنة والذكاء الاصطناعي.
- رفع معدل الإدماج المهني لدى فئة الشباب، خصوصًا في ظل ارتفاع نسب حاملي الشهادات الباحثين عن الشغل.
تمثل الوكالة الوطنية للتشغيل نموذجًا مؤسساتيًا ناجحًا في تسيير سوق العمل بالجزائر، يجمع بين المقاربة الاجتماعية والديناميكية الاقتصادية، ومع ما توفره من أدوات رقمية وكفاءات بشرية، تظل “لانام” شريكًا رئيسيًا في بناء اقتصاد منتج وشامل، لا يترك أحدًا خلف الركب، ويسير بخطى ثابتة نحو سوق شغل عصري، منصف وشفاف.





